تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كمال الحيدري

57

قاعدة لا ضرر ولا ضرار

فمثل هذه القواعد الأصولية التي أسسها العلماء في علم الأصول كانت تشكّل الغطاء الصناعي والعلمي الذي أُقيمت عليه تلك المسلّمات والأطر الفقهية ، إذ لا يوجد واحد من تلك المسلّمات إلّا ويوجد عليها إجماع منقول أو شهرة أو عمل للأصحاب ونحو ذلك من القواعد التي بُني عليها الفقه الموروث عندنا . حتى انتهى الأمر إلى العصر الثالث وجاء دور الشيخ الأنصاري ومن تبعه من المحقّقين فأشكلوا على هذه القواعد واحدةً بعد الأخرى ، فناقشوا في حجّية الإجماع المنقول والشهرة ؛ وتأمّلوا في قاعدة انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب ، ولعل الأستاذ السيد الخوئي كان من أوائل من بنى على هذا في فقهه ، وهكذا تهدّمت كلّ هذه القواعد الأصولية التي كانت تؤمّن الغطاء العلمي لتلك المسلّمات الفقهية ، ولكن هؤلاء الذين هدموا هذه القواعد في علم الأصول كالشيخ ومن تبعه لم يهدموها في الفقه ، بل بقي علم الفقه محافظاً عليها وإن كانت لا دليل على حجّيتها في الأصول ، والسبب في ذلك يرجع إلى تلك الحالة النفسية التي كانت تمنع الفقيه عن أن يسقط تلك المسلّمات وإن سقط دليلها العلمي في الأبحاث الأصولية . فلم يكن المانع عن رفض تلك المسلّمات الفقهية هو وجود دليل علمي عليها ، بل كان المانع هي تلك الحالة الوجدانية والقناعة النفسية بالمحافظة على تلك الأطر الموروثة في الفقه المتعارف . ومن هنا نجد أنّ المحقّقين المتأخّرين عن الشيخ الأنصاري بدأوا محاولة جديدة لتأسيس قواعد أصولية تعوّض عمّا هدموه ؛ لأنّه لا يمكن الالتزام بتلك المسلّمات من دون وجود دليل عليها ، وهنا خطر على بال المحقّقين المتأخّرين أنّ السيرة العقلائية يمكن أن تكون تعويضاً مناسباً عمّا